تعويم العملات .. هل هي فعلاً قادرة على السباحة والعوم؟ Leave a comment

عند الحديث عن العملات وآليات البنك المركزي في إدارتها من خلال عمليات السوق المفتوحة في البورصة والأسواق المالية وأسعار الفوائد والضرائب, قد يدور صداع غامض في أذهاننا يصعب علينا فهم هذه المصطلحات والأدوات أيضاً كيف تعمل وكيفية تأثيرها المباشر وغير المباشر على قوة عملتنا الشرائية للحفاظ على التوازن المالي والنقدي. لكن كل هذا يتبخر فجأة عند سماعنا لكلمة (تعويم العملة) فهنا أول وأقرب ما يتمثل في أذهاننا هو ورقة نقدية تسبح في البحر أو تحاول العوم والنجاة من الغرق.

في الواقع, فإن التعويم (وإن كانت أضراره على الناس جسيمة وصعبة) له محاسن وإيجابيات خصوصاً في الدول الصناعية المصدرة للبضائع والمنتجات, فعلى الرغم من أن التعويم يفقد العملة المحلية جزءاً من قيمتها وقوتها التي تمكن الناس من بيع وشراء السلع والخدمات محلياً إلا أنه يقوم بتحسين الصادرات وتقليص العجز التجاري في ميزان المدفوعات إذا تمت إدارة التعويم بصورة صحيحة.

لكن, ما هي سلبيات التعويم قبل الحديث عن إيجابياته وآثاره؟
في الواقع, ما هو تعريف مصطلح تعويم العملة أصلاً؟

لنتحدث في البداية (بشكل موجز) عن مفهوم العملات, فالعملات هي وسيط مقبول لدى عامة الناس في أي محيط أو إقليم ما يمكن من خلاله تقييم السلع والخدمات ومبادلتهم بها مع تحديد قيمتها العادلة التي تسمى (الأسعار), فالسعر هو الرقم الذي يعبر عن إجمالي تكاليف تجهيز وتقديم هذه السلع والخدمات مضافاً إليها هوامش الربح والضرائب المفروضة عليها (في حالة فرضها).

هذه العملات كانت في البداية عبارة عن مواد تتصف بالندرة في الطبيعة كالذهب والفضة وفي بعض الحضارات كانت العملات عبارة عن حبات البن وأصداف. الهدف من كون هذه العملات تتصف بالندرة هو ندرتها وقلة مواردها أو محدوديتها فعندما تكون العملة ذات صفة غير نادرة أو محدودة فستكون قيمتها قليلة لأن جميع الناس سيتمكنون من الحصول عليها وهذا سيجعل من قوتها الشرائية تنخفض مع ثبات قيمة السلع فسوف ترتفع الأسعار محدثاً ظاهرة تسمى (التضخم).

للتنويه: للتضخم أسباب كثيرة لا تنحصر فقط في كثرة العملة وإنما هي واحدة من عواملها وظواهرها وأسبابها. لمراجعة مقالة التضخم يمكنكم الإطلاع عليها من هنا (للتضحم النقدي حكاية عنوانها الدولار الزيمبابوي).

ومع تطور الزمن والحضارات, تطورت أساليب الدفع وأشكال العملات فأصبحت العملات عبارة عن صكوك مالية تسمى نقوداً تضمنها الجهة المالية التابعة للدولة أو الحكومة بقيمة محددة تتعهد بها هذه الجهة بأن تستبدل هذه الصكوك لحامليها بما قيمتها ذهباً أو فضة وقتما أرادوا ذلك بدون أية عوائق.

لاستكمال الحديث عن النقود وصولاً إلى الحديث عن مفهوم تعويم العملات (عنوان مقالتنا), سنعتبر العملة التي نتحدث عنها هي الدولار الأمريكي.

قبيل إنتهاء الحرب العالمية الثانية, تحديداً عام 1944, تم التوقيع على إتفاقية بريتون وودز التي تنص على إلتزام الولايات المتحدة الأمريكية لجميع الدول باعتبار عملتها الدولار الأمريكي عملة مقومة بوزن محدد من الذهب تم الإتفاق على أن يكون سعر أونصة الذهب 35$, وبذلك أصبح الدولار الأمريكي عملة مخزون إحتياطي للدول والمصارف باعتباره مقوماً بسعر محدد وثابت من الذهب مما أدى إلى نشوء ظاهرة الإستقرار المالي كما ثبت النظام العملات في نظام ثابت للصرف الأجنبي بنسبة تذبذب 1% للعملة بالنسبة للذهب أو الدولار وهكذا كانت الولايات المتحدة ملتزمة بدعم كل دولار في الخارج مع الذهب مما جعل سعر صرف العمللات الأجنبية ثابتة مقارنةً بالدولار.

خلال السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية عمل نظام بريتون وودز جيداً ومع وجود مشروع مارشال الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي وضعه الجنرال جورج مارشال بعد أن اصبح وزيراً للخارجية الأمريكية، أصبح هناك طلب على الدولار للإنفاق على السلع الأمريكية – السيارات والصلب والآلات وغيرها ولأن الولايات المتحدة التي تملك نصف احتياطيات الذهب الرسمية في العالم يقدر بـ 574 مليون أوقية في نهاية الحرب العالمية الثانية – بقي النظام آمن.

هذه الإتفاقية أيضاً تعني أن الولايات المتحدة لا يمكنها القيام بعمليات الإصدار النقدي الجديد دون تأمين غطاء ذهبي موازي ومكافئ لقيمة النقود التي سوف يتم إصدارها. بخلاف ذلك, ستبدأ قيمة الدولار بالتآكل والتراجع.

لكن في الواقع, فإن الولايات المتحدة لم تكن تلتزم بهذا الشرط خصوصاً عندما كانت الولايات المتحدة تخوض حرباً في فيتنام. فبين عامي 1965 و 1975 أنفقت الولايات المتحدة 168 مليار دولار على الحرب (1,02 تريليون دولار في السنة المالية 2015) وهذا أدى إلى عجز كبير في الميزانية الفدرالية مما دفعها إلى طباعة المزيد من الدولار دون مراعاة تأمين الغطاء الذهبي.

وكالمعتاد، احتاجت الولايات المتحدة إلى المزيد من الدولارات لتغطية تكاليف الحرب ولكن الدولارات لم تكفي لأن الذهب الموجود في الولايات المتحدة (بل والعالم) لم يعد كافياً ليغطي الدولار الأمريكي. لم يعد بالإمكان طباعة المزيد من الدولارات لأن الذهب الموجود لم يعد كافياً لتغطيتها وبالتالي قامت الولايات المتحدة بتجاوز الحد الأعلى المسموح من الدولارات المطبوعة وقامت بطبع دولارات غير مغطاة بالذهب دون أن تعلم أحداً بذلك.

ولكن الأزمة الكبرى حصلت عندما طالب الرئيس الفرنسي تشارل ديغول عام 1965 بتحويل الدولارات الأمريكية الموجودة لدى البنك المركزي الفرنسي إلى ذهب (طالب بتحويل 191 مليون دولار إلى ما يقابلها من الذهب وكان سعر الأونصة 35$)، عملاً باتفاقية Bretton Woods التي تسمح بذلك مما أدى هذا الأمر إلى عجز الولايات المتحدة لاحقاً عن تحويل أي دولارات أمريكية إلى الذهب مما دفع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى إصدار بيان في عام 1973 يلغي فيه التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولارات الأمريكية إلى ذهب، عرفت لاحقاً باسم Nixon Shock أو صدمة نيكسون.

اترك تعليقاً

سلة التسوق

close